كان ذلك الإتصال هو الأخير، وكنت أدرك هذا جيدًا من خلال نبرة صاحب العمل البدين، لم أنعته بالبدانة لأنني لمست في بعض الكلمات التي كان يلقيها بحذر أنه اليوم الأخير لي في العمل. لم أنتظر أن يقولها صراحة، وعجّلت في وقوع الكارثة التي طالما حلمت بها، تلك الكلاب السمينة تجري خلفي تكشر عن أنياب يجري عليها لعابها اللزج، أو أركض طيلة الليل في شوارع متفرعة أبحث عن مخرج، لكني لم أجد غير سدود وأبواب مغلقة مغلقة بغبار أسود فاحم، هذه الكوابيس كانت تلاحقني دومًا، لتعلن عن اقتراب هم وكرب، لكنها تكتفي بذلك ولا تقدم لك أي شيء.
سلّمت عهدتي ورحلت في هدوء، شدة الألم أفقدتني الشعور وأكسبتني بلادة كنت أعلم أنني سأفيق منها حينما يبرد الجرح العميق. لا شيء يمكن أن يفطر قلب الرجال غير الفراغ والعوز، وهناك أفواه تنتظر الطعام والحق في الحياة.. الحياة.. آه من الحياة.. لطالما كرهت حياتي.. ولم أقل ذلك لأنني تركت العمل وأعيش الآن في فراغ قاتل، لكنني بشكل ما رأيت حقيقتها الرّثة، كحفنة من الخراء المُغلف بورق الهدايا المزخرف، ولا أدري لماذا وُجدتُ في هذا العالم الواسع وأنا غير صالح لأحيا فيه ولو لقليل من الوقت، غير أن كل ما هنالك هي نزوة أبي في ليلة كُتب فيها أن أسقط في رحم أمي، وكنت أنا نهاية المتعة، وبداية الرحلة، رحلة الشقاء.
يومها ذهبت للمنزل بقدم تكاد تحملني، أرى آمالي تنهار في لحظة وتتوارى شمس الظهيرة خلف طبقة كثيفة من الغيوم. قبل أن أذهب إلى المنزل، أخذت قسط من الراحة عند صاحب المحل المجاور لمكان العمل، كانت الكلمات تخرج بصعوبة تريد معها الدموع، غالبت نفسي كي أبدو أمامه قويًا، لكني في الواقع كنت هش لدرجة البكاء، أبحث عن أحد يخبرني أن العالم بخير، وأن الأمور ستسير كما ينبغي. كانت الإجابة من الرجل الذي عرفته من خلال المجاورة، أن الأمر سهل جدًا، وأن العثور على عمل من خلاله أمر يسير، هكذا كان يجمجم ببساطة، وكنت أستمع بلا أذن، كأن كلماته تأتي من مذياع مشوش، برغم ذلك كنت أعلم مسبقًا أنها مجرد كلمات، ماء بارد يصبّه فوق رأسي لكسر الحرارة، وكنت أوقن أنه سينساني بمجرد خروجي من حانوته.
خرجت متجهًا إلى بيتي عاري من الأمل، الأمان، عاري من السكينة. في السيارة نظرت إلى الأرض تُطوى من تحتنا وتدور، وكانت الحقول المتشحة بالخضرة تدور حولها، لم أنتبه لوصول السيارة حينما هدأت ونزل منها الجميع إلا أنا. كنت لا أزال أتأمل الخارج القبيح. التكاتك الذي لا يكف سائقيها عن الصراخ والسب واللعن طيلة اليوم، وأحيانًا ينشب بينهما عراك طويل يُسفر عن عاهة مستديمة أو جرح بسيط حينما يتدخل أحدهم، وفي أحيان أخرى يتركونهم خشية الإصابة، إيمانًا بالمثل القائل: «ما ينوب المِسلّك إلا تقطيع هدومه» وكنت أؤمن بهذه الحكمة، ليس حرصًا على ثيابي من التقطيع، إنما لأن الإنسان الحقيقي لا ينحي منحى الحيوانات المفترسة فيعتدي على أخيه الإنسان، لذلك كان حقًا أن أتركهم يعبثون مع بعضهم، ذلك النوع من البشر لا يستحق أن نجادله أو ندفع عنه شر وشيك، ببساطة لأنه أعمى ولم يكتشف بعد داخله المظلم، ولم يحاول أن يتخلص من ظلامه ولو بقليل من الحكمة والتعقل، إنهم رؤوسهم التي تحملها أجسادهم ليس إلا مجرد عظام صلبة مُعطّلة تفكر إلا في جني بضعة جنيهات ولقمة.
كنت أفكر، وأفكر، أن الحياة لا تستحق غير ذلك، تصرعني الأفكار في جولات متعددة وأصرعها أنا الآخر، لم أغلبها من قبل إلا في رأسي.
فتحت الباب ببطء، كانت زوجتي تشاهد فيلمًا قديمًا بالأبيض والأسود «مراتي مدير عام» على قناة «روتانا كلاسيك» يفتر ثغرها عن ابتسامة عذبة، من حولها يصطخب الأطفال، لكنها لا تهتم، كانت غارقة تمامًا في تفاصيل العلاقة بين البطل والبطلة.
«لقد تركت العمل»
دُهشت، ولم تتكلم هي الأخرى غير كلمات مقتضبة من باب المواساة، أو ربما لأنه في هذه المواقف القاتمة يجب أن نقول شيء ما. كنت أتمنى أن تأخذ برأسي وتقول لي أن كل شيء سيكون بخير طالما أنا معك.. كأن صدرها الحاني درع يحول بين رأسي وبين المسامير الموجهة إليه بإصرار مخيف. لكنها ظلت جالسة تشاهد.
أنظر إليها خلسة، وإلى الأطفال الذين تجمعوا حولي يلاطفونني، خصوصًا تلك الصغيرة التي تقرص صدغي بيدها الصغير وتقول «يا صغننة انتي»
************#يتبع
.jpeg)